ابن كثير

385

البداية والنهاية

الفرش ، فأوريتها له ، فقال : كم زنتها ؟ فقلت : إن مثل هذه لا مثل لها ، فسكت . قالوا : ورأى قوما يفرطون الزيتون فقال القطوه لقطا ولا تنفضوه نفضا ، فتفقأ عيونه وتكسر غصونه ، وكان يقول : ثلاثة لا يضعن الشريف : تعاهد الصنيعة ، وإصلاح المعيشة ، وطلب الحق وإن قل . وقال أبو بكر الخرائطي : يقال إن هشاما لم يقل من الشعر سوى هذا البيت : إذا أنت تعص الهوى قادك الهوى * إلى كل ما فيه عليك مقال وقد روي له شعر غير هذا ، وقال المدائني عن ابن يسار الأعرجي : حدثني ابن أبي بجيلة ، عن عقال بن شبة قال : دخلت على هشام وعليه قباء فتك أخضر ، فوجهني إلى خراسان ، ثم جعل يوصيني وأنا أنظر إلى القباء ، ففطن فقال : مالك ؟ قلت : عليك قباء فتك أخضر ، كنت رأيت عليك مثله قبل أن تلي الخلافة ، فجعلت أتأمل هذا هو ذاك أم غيره ، والله الذي لا إله غيره هو ذاك ، مالي قباء غيره ، وما ترون من جمعي لهذا المال وصونه إلا لكم . قال عقال : وكان هشام محشوا بخلا . وقال عبد الله بن علي عم السفاح : جمعت دواوين بني أمية فلم أر أصلح للعامة والسلطان من ديوان هشام . وقال المدائني عن هشام بن عبد الحميد : لم يكن أحد من بني مروان أشد نظرا في أصحابه ودواوينه ، ولا أشد مبالغة في الفحص عنهم من هشام ، وهو الذي قتل غيلان القدري ، ولما أحضر بين يديه قال له : ويحك قل ما عندك ، إن كان حقا اتبعناه ، وإن كان باطلا رجعت عنه ، فناظره ميمون بن مهران فقال لميمون أشياء فقال له : أيعصي الله كارها ؟ فسكت غيلان فقيده حينئذ هشام وقتله ( 1 ) . وقال الأصمعي عن أبي الزناد عن منذر بن أبي منذر قال : أصبنا في خزائن هشام اثني عشر ألف قميص كلها قد أثر بها . وشكى هشام إلى أبيه ثلاثا إحداهن : أنه يهاب الصعود إلى المنبر ، والثانية قلة تناول الطعام ، والثالثة أن عنده في القصر مائة جارية من حسان النساء لا يكاد يصل إلى واحدة منهن . فكتب إليه أبوه : أما صعودك إلى المنبر فإذا علوت فوقه فارم ببصرك إلى مؤخر الناس فإنه أهون عليك ، وأما قلة الطعام فمر الطباخ فليكثر الألوان فعلك أن تتناول من كل لون لقمة ، وعليك بكل بيضاء بضة ، ذات جمال وحسن . وقال أبو عبد الله الشافعي : لما بنى هشام بن عبد الملك الرصافة قال : أحب أن أخلو بها يوما لا يأتيني فيه خبر غم ، فما انتصف النهار حتى أتته ريشة دم من بعض الثغور ، فقال : ولا يوما واحدا ؟ ! وقال سفيان بن عيينة : كان هشام لا يكتب إليه بكتاب فيه ذكر الموت . وقال أبو بكر بن أبي خيثمة : ثنا إبراهيم بن المنذر الخزامي ثنا حسين بن زيد ( 2 ) عن شهاب بن عبد ربه ، عن عمر بن علي قال : مشيت مع محمد بن علي - يعني ابن الحسين

--> ( 1 ) في الطبري 8 / 285 : فأمر بقطع يديه ورجليه . وفي ابن الأثير 5 / 263 : فقطعت يداه ورجلاه ثم امر به فصلب . ( 2 ) في الطبري 8 / 288 : يزيد .